سيد محمد طنطاوي

219

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

على الكتابيين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن » « 1 » . وقوله : * ( كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه ) * أي : كلما أرادوا حرب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين وهيئوا الأسباب لذلك وحاولوا تفريق كلمتهم وإثارة العداوة بينهم . كلما فعلوا ذلك أفسد اللَّه عليهم خطتهم ، وأحبط مكرهم ، وألقى الرعب في قلوبهم . والتعبير بهذه الجملة الكريمة جاء على وفق ما جرى عليه العرب من أنهم كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم أوقدوا نارا يسمونها نار الحرب . والتعبير هنا لذلك على سبيل المجاز إذ عبر - سبحانه - عن إثارة الحروب بإيقاد نارها . باعتبار أن الحروب في ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية تشبه النار المستعرة في أخطارها ومصائبها . وقوله : * ( ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً واللَّه لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) * تذييل مقرر لما قبله من الصفات الذميمة التي دمغ اللَّه - تعالى - بها اليهود . أي : أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وأنهم يسعون سعيا حثيثا للإفساد في الأرض عن طريق إثارة الفتن ، وإيقاظ الأحقاد بين الناس . واللَّه - تعالى - لا يحب المفسدين بل يبغضهم ويمقتهم ، لإيثارهم الضلالة على الهدى ، والشر على الخير . وبهذا نرى الآية الكريمة قد ردت على اليهود في نسبتهم البخل إلى اللَّه - تعالى - وبينت أنه - سبحانه - هو الواسع الفضل ، الجزيل العطاء وكشفت عن جوانب من رذائلهم وعنادهم وأوضحت أنه - سبحانه - يبغضهم لأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون . ولقد بسطنا القول في مظاهر فسادهم في الأرض في غير هذا الموطن فارجع إليه إن شئت « 2 » . وبعد أن حكى - سبحانه - ما حكى من رذائل أهل الكتاب وخصوصا اليهود عقب ذلك بفتح باب الخير لهم متى آمنوا واتقوا فقال - تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 65 إلى 66 ] ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ولأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) ولَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 )

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 45 ( 2 ) راجع كتابنا « بنو إسرائيل في القرآن والسنة » ج 2 من ص 288 إلى ص 320